فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 316

فإذا عارضنا النص القطعي بمصلحة، فلا بد أن تكون مصلحة موهومة؛ إذ لا يمكن أن يشرع الله لعباده ما يضرهم ولا ينفعهم، بل كل ما شرعه - على سبيل القطع - لعباده لا بد أن يشتمل على الخير والصلاح لهم في دنياهم قبل أخراهم، فهو قد أرسل رسوله رحمة لهم، وهو يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، وهو لا يريد ليجعل عليهم من حرج، ولكن يريد ليطهرهم ويتم نعمته عليهم.

ونحن هنا نؤكد ما قرّره ابن القيم في «إعلامه» حين قال: «الشريعة عدل كلها، رحمة كلها، حكمة كلها، مصالح كلها» وسيأتي نقل عبارته كاملة.

وقال العلامة الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه «أصول الفقه» : والمصلحة - كما ترى - لا تقف أمام نص قطعي، السند فيه قطعي، والدلالة فيه قطعية، أما إذا كان الحكم ثابتًا بنص ظني في سنده، أو في دلالته، والمصلحة ثابتة ثبوتا قطعيا لا مجال للشك فيه، وهو من جنس المصالح التي أقرتها الشريعة، وملائمة لها، فإن المصلحة تخصص النص إذا كان عاما غير قطعي، وترد خبر الآحاد إن عارضها؛ لأنه يكون بين أيدينا دليلان؛ أحدهما ظني، والآخر قطعي، ومن المقررات الفقهية: أنه إذا تعارض ظني مع قطعي، خصص الظني بالقطعي، أو رُدَّ إن كان غير قابل للتخصيص. اهـ (1) .

وقد أجمع العلماء من كل المذاهب والمدارس الفقهية على أن المصلحة إذا عارضت النص القطعي، فإنها لا تعتبر، إلا في حالات الضرورات، التي تبيح المحظورات، والتي يجب أن تقدر بقدرها، كما قال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173] . وهذا بشرط أن تكون المصلحة قطعية ضرورية.

مثل الإمام الغزالي في «المستصفى» لذلك بمسألة «التترس» الشهيرة،

(1) انظر: «أصول الفقه» لأبي زهرة (ص 227) فقرة 277).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت