وألزم الصحابة أن يقلوا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما اشتغلوا به عن القرآن، سياسةً منه، إلى غير ذلك من سياساته التي ساس بها الأمة - رضي الله عنه.
ومن ذلك: اختياره للناس الإفراد بالحج ليعتمروا في غير أشهر الحج، فلا يزال البيت الحرام مقصودًا، فظن بعض الناس أنه نهى عن المتعة (التمتع) ، وأنه أوجب الإفراد. وتنازع في ذلك ابن عباس وابن الزبير، وأكثر الناس على ابن عباس في ذلك، وهو يحتج عليهم بالأحاديث الصحيحة الصريحة. فلما أكثروا عليه قال: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!» وكذلك ابنه عبد الله كانوا إذا احتجوا عليه بأبيه يقول: «إن عمر لم يرد ما تقولون» ،
فإذا أكثروا عليه قال: أفرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحقّ أن تتبعوا أم عمر؟!
قال ابن القيم:
والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة، تختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكلٍّ عذر وأجر. ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين.
وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة وأضعافها هي من تأويل القرآن والسنة. ولكن هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغيّر بتغيّر الأزمنة، أم من السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فتتقيد بها زمانًا ومكانًا؟
ومن ذلك: جمع عثمان - رضي الله عنه - الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي أطلق لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القراءة بها، لما كان ذلك مصلحة، فلما خاف الصحابة - رضي الله عنه - على الأمة أن يختلفوا في القرآن ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم، وأبعد من وقوع الاختلاف: فعلوا ذلك، ومنعوا الناس من القراءة بغيره. وهذا كما لو كان الناس عدة طرق إلى البيت، وكان سلوكهم في تلك الطرق يوقعهم في التفرق والتشتت، ويطمع فيهم العدو، فرأى الإمام جمعهم على طريق واحد، وترك
بقية الطرق: جاز