فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 316

فهذه الآية توجب قسمة كل غنائم الحرب بين الغانمين «المحاربين» ، سواء أكانت عقارًا أم منقولًا. ولكن عمر ترك هذه الآية عمدّا، ولم يعمل بمقتضاها، ولم يقسم الأرض المغنومة.

والثاني: ما صح في السنة النبوية، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين غزا خيبر وافتتحها عنوة، قسمها بين المسلمين الذين شاركوا معه في فتحها، ممن كانوا معه في الحديبية، وإن أشرك معهم بعض من كانوا هاجروا إلى الحبشة.

ولكن عمر ترك ما نص عليه في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لاعتبارات مصلحية رآها، ولم يقسمها بين المسلمين الذين طالبوه صراحة بقسمتها بينهم، بل ألحّوا عليه في ذلك وشدّدوا، ومنهم بلال على فضله وسابقته، ومعه من معه من الصحابة، حتى إن عمر لجأ إلى الدعاء عليهم قائلًا: اللهم اكفني بلالًا وأصحابه، فما مرّ عليهم العام، وفيهم عين تطرف، أي ماتوا جميعًا.

ولا نحسب أن عمر دعا عليهم بالموت، ولكن دعا الله أن يكفيه خصومتهم، فاختار القدر لهم ما اختار، ولا راد لما قضاه الله.

والواجب علينا أن ننظر بعين الفقه فيما صنعه عمر - رضي الله عنه: هل خالف فيه - كما يقول هؤلاء - نصّا قطعيَّ الثبوت والدلالة في القرآن والسنة؟

أما ما ذكروه من قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... } [الأنفال: 41] ومفهومها: أن الأربعة الأخماس الباقية للغانمين، فهذه الآية من كتاب الله لا شك أنها قطعية الثبوت، شأن كل القرآن، فهو ثابت بالتواتر اليقيني الذي لا ريب فيه، ولكن هل هي قطعية الدلالة على ما يدّعون أنها تشمل كل ما غنم من منقول ومن عقار، حتى تشمل الأرضين والجبال والأنهار؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت