فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 316

واحتج الحنفية بما نقل عن عمر - رضي الله عنه - في ذلك، وقد رواه أبو يوسف في «الخراج» وأبو عبيد في «الأموال» وابن أبي شيبة في «المصنف» وابن سعد في «الطبقات» وابن زنجويه في «الأموال» وغيرهم، وقد كان ذلك بحضرة الصحابة، بلا نكير من أحد منهم، فحل محل الإجماع (1) .

ووافق المالكية الحنفية في الجزية المصالح عليها، فتبقى على ما تم عليه الصلح. وخالفوهم في مقدار الجزية التي يفرضها الإمام: فجعلوها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعين درهما على أهل الورق، ولم يجعلوها ثلاث مراتب. وحجتهم في ذلك: رواية عن عمر أيضًا (2) .

ولكن كلا المذهبين الحنفي والمالكي جمد الجزية عند مقدار لا تتعداه، لا يزاد عليه ولا ينقص منه.

ورأيي أن هذا خطأ في تكييف رأي عمر، وأن المطلوب منا بالنسبة للخلفاء الراشدين هو: اتباع سنتهم الكلية، وليس اتباع أقوالهم الجزئية.

وسنة عمر هنا هي: تغير الحكم تبعًا لتغيّر الأحوال، حتى أجاز لنفسه أن يخالف ما أمر به النبي الكريم معاذًا، والحقيقة أنه لم يخالف، ولكنه أحسن الفهم عن رسول الله، وعلم أنه تصرف بوصفه إماما للأمة بما رآه أصلح لها، وقد اقتدى به في ذلك، فهو - رضي الله عنه - لم يخرج قيد أنملة عن هديه - صلى الله عليه وسلم.

والذي أختاره وأتبناه من آراء الفقهاء في هذه القضية هو رأي من فوضوا ذلك إلى اجتهاد الإمام أي وليّ الأمر الشرعي، الذي يراعي العدل والإنصاف فيما يفرضه على غير المسلمين، فلا يجور عليهم لحساب المسلمين، ولا

(1) انظر: «فتح القدير على الهداية» لابن همام (4/ 368، 369) طبعة بولاق، و «الاختبار شرح المختار» (4/ 136، 137) .

(2) انظر: «الشرح الصغير للدردير مع حاشية الصاوي» طبعة المعارف، (2/ 310 - 312) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت