فهرس الكتاب
ورابع المرتكزات في فقه السياسة الشرعية المنشودة، هو: فقه الأولويات. وهو مرمبط بفقه الموازنات، فكثيرًا ما مؤدي الموازنات إلى أولويات.
ونعني بفقه الأولويات: أن نعطي كل عمل قيمته أو «سعره» في ميزان الشرع، لا نبخسه ولا نشتط في تقويمه، وبهذا نقدم ما حقه أن يقدم، ونؤخر ما حقه أن يؤخر، فإن من أكبر ما أخذ على المسلمين في عصور التخلف والانحطاط: أنهم كبَّروا الأمور الصغيرة، وصغَّروا الأمور الكبيرة، وعظموا الشيء الهين، وهوَّنوا الشيء العظيم.
ولا ريب أن هذا خلل منكر، يترتب عليه تضييع أمور ذات بال في حياة الأمة، على حين تأخذ أمور أخرى تافهة أكثر من حجمها.
والواجب على الأمة: المحافظة على «النسب» التي جعلها الشرع بين التكاليف والأعمال بعضها وبعض، حتى يبقى كل عمل في مرتبته الشرعية، لا ينزل عنها، ولا يعلو عليها.
ولهذا كنت سميت هذا الفقه في بعض كتبي «فقه مراتب الأعمال» ثم رأيت العنوان الأنسب له «فقه الأولويات» ، وهو الذي شاع بعد ذلك على الألسنة والأقلام.
وربما استغرب بعض الإخوة هذا العنوان، حتى قال بعضهم يوما: كل أحكام الشرع أولويات، وليس بعضها بأولى من بعض.
قلت له: هذا صحيح من ناحية احترامها وقبولها، فلا يجوز أن نقبل بعضًا ونرد بعضًا آخر، أو نأخذ منها ما نهواه وما يحلو لنا، وندع ما لا نهواه.