فهرس الكتاب
كما أفرده بالتأليف في عصرنا العلَّامة محمد الطاهر بن عاشور، واستدرك بعض الاستداركات المهمة، وكتب فيه كثير من العلماء والباحثين في عصرنا، وباب العلم مفتوح، ولكل مجتهد نصيب.
ومن استقرأ ما أثر عن فقهاء الصحابة - رضي الله عنه - مثل الخلفاء الراشدين، وأبَيّ، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وغيرهم، ونظر إلى فقههم وتأمله بعمق، تبيَّن له أنهم كانوا ينظرون إلى ما وراء الأحكام من علل ومصالح، وما تحمله الأوامر والنواهي من حكم ومقاصد، فإذا أفتوا في مسألة، أو حكموا في قضية، لم يغب عن بالهم مقاصد الشريعة وأهدافها، ولم يهدروا هذه المقاصد الكليّة في غمرة الحماس للنصوص الجزئية، ولا العكس، بل ربطوا الجزئيات بالكليّات والفروع بالأصول، والأحكام بالمقاصد، بعيدًا عن الحرفية والجمود.
ولهذا وجدنا معاذ بن جبل الذي أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن معلّما وقاضيًا وواليًّا، وأمره أن يأخذ الزكاة من أغنيائهم، ليردها في فقرائهم، وحذَّره أن يأخذ كرائم أموالهم، أي أحسنها وأفضلها «من المواشي والزروع وغيرها» ، بل يأخذ الوسط منها، لا الأجود ولا الرديء، وكان مما قاله له فيما رواه أبو داود وغيره: «خذ الحبّ من الحَبّ، والشاة من الغنم، والبعير من الْإبل، والبقر من البقر» (1) .
ولكن معاذًا - رضي الله عنه الذي جاء في الحديث أنه أعلم الصحابة
(1) رواه أبو داود في الزكاة [1599] ، وسكت عليه هو والمنذري «مختصر السنن» ،
حديث [1534] ، وابن ماجه في الزكاة [1814] ، والحاكم (1/ 388) ، وصححه على شرط الشيخين إن صح سماع عطاء بن يسار من معاذ، وقال الذهبي: لم يلقه.