والأحكام العادية تدور معه حيث دار، فنرى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه
مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز، وضرب الشاطبي لذلك أمثلة كثيرة.
الثاني: أن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات، وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول، ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد فيها اتباع المعاني، لا الوقوف مع النصوص، «بخلاف باب العبادات» ، وقد توسع في هذا القسم مالك - رحمه الله -، حتى قال فيه بقاعدة المصالح المرسلة، وقال فيه بالاستحسان، ونقل عنه أنه قال: إنه تسعة أعشار العلم.
والثالث: أن الالتفات إلى المعاني قد كان معلومًا في الفترات، واعتمد عليه العقلاء حتى جرت بذلك مصالحهم وأعملوا كلياتها على الجملة، فاطردت لهم، فجاءت الشريعة لتتم مكارم الأخلاق، ومن هنا أقرت هذه الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية كالدية، والقسامة، والاجتماع يوم العروبة وهي الجمعة للوعظ والتذكير، والقراض، وكسوة الكعبة، وأشباه ذلك مما كان عند أهل الجاهلية محمودًا، وما كان من محاسن العوائد، ومكارم الأخلاق التي تقبلها العقول (1) .
وإنما قال الشاطبي ومن وافقه من العلماء: الأصل في العادات والمعاملات هو: الالتفات إلى المعاني والمقاصد والحكم؛ ليدلوا على أن هناك ما هو خلاف الأصل، وكلمة الأصل تعني: الأساس والغالب.
ومفهومه: أن هناك أشياء تأتي على خلاف الغالب والمعروف، وهذا أمر ثابت في أحكام الشرع، وقد نبّه عليه الإمام الشاطبي - رحمه الله -.
(1) نفسه، ص 305 - 307.