فهرس الكتاب
وإذا كان رأي الإمام أو ولي الأمر يعمل به فيما بيّنَّاه من قبل، أي فيما لا نص فيه، وفيما يحتمل وجوها عدّة، وفي المصالح المرسلة، فالواجب أن يتم ذلك بعد مشاورة أهل الرأي والاختصاص، وسؤال أهل الذكر والخبرة، كما قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] ، {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59] .
والأصل في الشورى الوجوب؛ لأن الله تعالى أمر بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] والأمر - ولا سيما في القرآن - يفيد الوجوب، وإذا كان الرسول المؤيد بالوحي مأمور ًا بالمشاورة فغيره أولى بلا ريب.
وقد جعل القرآن الشورى من الصفات الأساسية للجماعة المؤمنة، فقال تعالى في بيان فضائلها ومحامد خصالها: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38] ، فقرنها بالاستجابة لله، وإقامة الصلاة والإنفاق مما رزق الله، وكلها ركائز ضرورية في حياة المجتمع المسلم.
نقل الإمام القرطبي في تفسيره عن الإمام ابن عطية قوله: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين، فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه.
وقال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين، «ومشاورة» وجوه الجيش، فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال «أي الولاة» فيما يتعلق بمصالح البلاد، وعمارتها.