فهرس الكتاب
وهذا الذي قال الغزالي قرره قبلة شيخه إمام الحرمين في كتابه الأصولي المعروف «البرهان» وأكده بعده الأصولي الحنبلي نجم الدين الطوفي في مقولته عن المصلحة وتقديمها على النص والإجماع، يقصد النص الظني كما بينّا ذلك في موضعه، فقد استثنى الطوفي من ذلك العبادات، كما استثنى المقدرات الشرعية، وقال معللا ذلك: وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات ونحوها دون العبادات وشبهها؛ لأن العبادات حق للشرع خاص به، ولا يمكن معرفة حقه كمّا وكيفا وزمانا ومكانا إلا من جهته، فيأتي به العبد على ما رسم له سيده، وفعل ما يعلم أنه يرضيه، فكذلك هاهنا، ولهذا لما تعبدت الفلاسفة بعقولهم، ورفضوا الشرائع، أسخطوا الله عز وجل وضلوا وأضلوا.
وهذا بخلاف حقوق المكلفين، فإن أحكامها سياسية شرعية وضعت لمصالحهم، فكانت هي المعتبرة، وعلى تحصيلها المعول.
ولا يقال: إن الشرع أعلم بمصالحهم، فلتؤخذ من أدلته؛ لأننا قررنا أن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها، فلنقدمها في تحصيل المصالح.
ثم هذا إنما يقال في العبادات التي تخفى مصالحها عن مجاري العقول والعادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل، فإذا رأينا دليل الشرع متقاعدا عن إفادتها علمنا أنا أحلنا في تحصيلها على رعايتها، كما أن النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام، علمنا أنا أحلنا بتمامها على القياس، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه، بجامعٍ بينهما. والله - عزّ وجلّ - أعلم بالصواب (1) .
(1) من رسالة «المصلحة عند الطوفي» الملحقة بكتاب د. مصطلفي زيد «المصلحة في التشريع الإسلامي» ، ص 241.