فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 316

أحيانًا، فهو يتصور الشرع هو مجموع أقوال المتأخرين من الفقهاء، من مقلدة المذاهب المتبوعة، المدونة في الكتب الصفراء، والتي تمثل عصرها الذي تراجعت فيه الحضارة الإسلامية، وتأخرت فيه الثقافة الإسلامية، وتحجر فيه العقل الإسلامي، وغاب فيه الإبداع الإسلامي في مجال الفكر والأدب والصناعة والحياة كلها، وأصيبت الحياة بالركود والعفن، وغلب الجمود والتقليد على كل شيء، حتى غدا المثل السائر: ليس في الإمكان أبدع مما كان. وما ترك الأول للآخر شيئًا.

تصوّر قوم أن تلك الأقوال التي تمثل عصرها وبيئتها هي الشرع، ولا شرع غيرها، وهي في زمانها ربما كان لا تلبي كل طموحات أهل ذلك الزمان، فكيف في زمننا الذي تغير عن أزمنتهم تغيرًا كليًّا، بحيث لو بعث أحدهم ورأى حياتنا هذه لأصيب بالجنون أو ما يشبه الجنون من هول ما يرى، مما لم يكن يخطر - مجرد خطور - ببال أكثر الشعراء والأدباء إغراقًا في الخيال!

وبعض الناس يتصور الشرع هو الجمود على ظواهر النصوص، يفهمها فهما حرفيا، لا يبذل جهده في معرفة مقاصدها وأسرارها، ولا يربط بين جزئياتها وكلياتها، ولا يصلها بمبادئ الشريعة العامة، وأهداف الإسلام الكبرى، ولا يبالي أن تصطدم تلك الأمور بعضها ببعض، ما دام هو متمسكًا بنص جزئي يعضّ عليه بالنواجذ.

هكذا يتصور هؤلاء «الظاهرية الجدد» الشرع الشريف - بسعة آفاقه، وروعة مبادئه، وعدالة أحكامه، وتوازن نظراته - بهذه الصورة التي تجمد الحياة، وتقاوم التطوّر، وتتخلف عن ركب العالم الذي يظهر في كل يوم جديدًا، يبهر العقول، ويخطف الأبصار.

إن هذه الصورة المتوهَّمة للشرع ليس هي الصورة الحقيقية التي نعرفها، ونؤمن بها، وندعو إليها. والتي جاء بها القرآن، وبيّنتها السنّة، وفهمها الصحابة ومن تبعهم بإحسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت