فهرس الكتاب
وأما مسألة «التسعير» وامتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه في زمنه، وإفتاء مَن بعده من الصحابة أو التابعين بالجواز في أحوال معينة.
فالواقع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما امتنع عن التسعير في حالة غلاء طبيعي، نتيجة للسنن والأسباب التي أقام الله عليها هذا العالم، وإليه الإشارة بقوله: «فإن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق» (1) ولهذا جاء في بعض الروايات: «بل ادعوا» (2) .
أي الجئوا إلى الله أن يكشف عنكم أسباب الغلاء، ويهيئ أسباب الرخاء.
ولم يكن الغلاء نتيجة لتدخل عوامل مفتعلة في السوق من تلاعب بعض التجار بالأسعار، واحتكارهم للسلع، وظلمهم للمستهلكين، وتواطؤهم عليهم.
ففي الحالة التي يكون فيها الغلاء «لقلة الشيء وكثرة الخلق» كما يعبر ابن تيمية، أو «لقانون العرض والطلب» كما يعبر الاقتصاديون في زمننا، يترك الأمر للناس، ولحرية السوق، وهو ما جاء فيه الحديث.
وفي حالات الاحتكار والتلاعب والظلم يكون التسعير جائزا بل واجبًا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (3) ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد.
وبهذا كله، يتبين لنا بوضوح أن كل الشواهد التي استدل بها القائلون بتقديم المصالح على النصوص القطعية، لا يوجد فيها أي دليل على دعواهم الكبيرة.
(1) الحديث رواه أبو داود في البيوع [3451] ، وتتمته: «وإني لأرجو أن ألقى الله، وليس أحدٌ منكم يطالبني في دم ولا مال» ، وسكت عليه هو والمنذري، ورواه الترمذي في البيوع [1314] وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في التجارة [2200] كلهم عن أنس.
(2) الحديث رواه أبو داود عن أبي هريرة [3450] : أن رجلًا جاء فقال: يا رسول الله، «سعر» . فقال: «بل ادعوا» ، وفي مختصر المنذري: «بل ادعوا» [3450] .
(3) انظر: كتابنا: «الحلال والحرام» ص 244، 245، طبعة 16، مكتبة وهبة، وانظر «رسالة الحسبة» لابن تيمية، والطرق الحكمية لابن القيم، ص 214 وما بعها، طبعة
السنة المحمدية بالقاهرة.