ويبدو أن الإمام البنا عليه رحمة الله ورضوانه - من الناحية النظرية على الأقل - لم يكن يرى أن الشورى ملزمة للإمام وإن كان واجبة عليه - كما هو رأي كثيرين من أهل العلم قديمًا وحديثًا - (1) . وهو ما وضح في كثير من كتاباته.
وإلا، لكان عليه أن يدخل بعض القيود على عبارته في هذا الأصل المهم. كأن يقول مثلًا: ورأي الإمام أو نائبه معمول به فيما لا نص فيه، وفيما يحتمل وجوهًا عدة، وفي المصالح المرسلة، وذلك في السياسة الجزئية، وفي الإجراءات الإدارية والتنفيذية، والقرارات اليومية ونحوها ... وكذلك يعمل به في الاجتهادات السياسية الكلية، والمالية والحربية ونحوها، ما لم يخالف أهل الحل والعقد أو أكثرهم.
وهذا الذي نراه ونلتزم به شرعًا: أن رأي أهل الحل والعقد ملزم للإمام، فإذا شاورهم فاختلفوا عليه، فالعبرة برأي الأكثرية.
وقد أقمنا على هذه القضية أكثر من دليل فيما كتبناه من قبل (2) ، ولا بأس أن نؤكد هذا هنا اليوم، مخالفين الإمام البنا، فقد ذكر في «أصوله العشرين» : أن كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.
فمن الأدلة المرجحة للالتزام برأي أكثر أهل الشورى:
1 -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرَ الخروج إلى المشركين في أحد، وإنما كان رأيه ورأي كبار الصحابة: القتال داخل المدينة، ولكنّ رأى الأكثرية تميل إلى الخروج، فنزل على رأيهم. صحيح أنه لم يأمر بِعَدِّ الموافقين والمخالفين، ولكنه أخذ بظاهر الأمر.
2 -أنه - عليه الصلاة والسلام - أمر باتباع السواد الأعظم (3) .
(1) من القائلين بذلك في عصرنا الأستاذ أبو الأعلى المودودي في باكستان والشيخ محمد متولي الشعراوي في مصر، وغيرهما.
(2) في كتاب «الحل الإسلامي فريضة وضرورة» ، وكتاب «الإسلام والعلمانية» ، وكتاب «من فقه الدولة في الإسلام» ، وكتاب «فتاوى معاصرة» جـ 2 وغيرها.
(3) روي من طرق بعضها قوي. انظر: كتابنا «من فقه الدولة في الإسلام» ص 143 طبعة دار الشروق بمصر.