فالإيمان عندنا - نحن المسلمين - لا ينافي العقل، والدين عندنا لا يعارض العلم، بل الدين عندنا علم، والعلم عندنا دين.
لم يُقَل عندنا كما قيل في أديان أخرى: اعتقد وأنت أعمى! أو أغمض عينيك ثم اتبعني! بل نادى القرآن المخالفين من أصحاب العقائد والدعاوى الدينية المختلفة: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] ، [النمل: 64] .
وقال علماؤنا: العقل أساس النقل؛ لأن النبوة إنما ثبتت بأدلة العقل، فلو زال العقل لانهدمت النبوة، ولم يبق عندنا نقل أو وحي نعتمد عليه.
وكذلك قال المحققون من علمائنا: إن إيمان المقلِّد مشكوك فيه، ولا يقبل ما لم يعتمد على نوع من الدليل وإن كان إجماليا، وغير مرتب ترتيبًا علميا، بل يعبر عنه بأي عبارة ممكنة.
ولذلك وجدنا أول ما نزل من الوحي الإلهي في القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ، والقراءة باب العلم، ثم نزل بعد ذلك العمل في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 1 - 7] .
ولهذا ذكرنا في كتابنا «فقه الأولويات» تقديم «العلم» على «العمل» وتقديم «الفهم» على «الحفظ» وتقديم «الاجتهاد» على «التقليد» .
فهذه أولويات يجب أن تراعى في التخطيط، وفي التنفيذ.
وبعد غرس العقيدة وتثبيتها، تأتي الفرائض الدينية الركنية، من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وهي الدعائم العملية التي بني عليها الإسلام، وحث عليها القرآن والسنة، وأجمعت على فرضيتها وركنيتها كل طوائف الأمة، وغدت من «المعلوم من الدين بالضرورة» يعرفها الخاص والعام، والحضري، والبدوي، والقارئ والأمي، فمن أنكر واحدة منها،