فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 316

والمهمّ أن الفقهاء أجازوا الأمرين للإمام بناء على اجتهاده من التسوية والتفضيل، بشرط ألا يكون ذلك اتباعًا لهوى، أو إيثارًا للمحاسيب على غيرهم، أوتقديمًا لمن يستحق التأخير، وتأخيرًا لمن يستحق التقديم، وإنما يعطي كل ذي حق حقه وفق معايير مرعية وضوابط معلومة.

ومن المهم هنا أن نذكر أمرًا نراه في غاية الأهمية في بحثنا هذا، وهو:

مشروعية ما ثبت من مخالفة بعض الخلفاء الراشدين للرأي الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أمور السياسة والاقتصاد والإدارة والحرب ونحوها، وذلك فيما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو فعله بوصفه إماما أو رئيسًا للدولة المسلمة بمعنى أن التصرف النبوي في هذه الأمور يكون مؤسسًا على رعاية مصلحة للأمة خالصة أو غالبة، في زمنه - عليه الصلاة والسلام -، وقد تتغيّر هذه المصلحة بعد زمنه - صلى الله عليه وسلم -، فالأمور المصلحية قابلة للتحول. وحينئذ يطلب من الخليفة الذي ينوب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إقامة الدين، وسياسة الدنيا به: أن يراعي المصلحة الجديدة، ولا يكون بذلك مخالفًا للرسول، بل هو في حقيقة الأمر متبع له في نهجه الذي سنّه، وهو رعاية الإمام لمصلحة الأمة في زمنه.

ولا غرو في ذلك، فقد كان الرسول نفسه ينهج هذا النهج في آرائه الإدارية والسياسية والمالية ونحوها، فيديرها وفقًا للمصالح المعتبرة.

ولهذا رأيناه - عليه الصلاة والسلام - ينهى في بعض السنوات عن ادخار لحوم الأضاحي في عيد الأضحى بعد ثلاثة أيام، وذلك لظرف طارئ على المدينة، وهو: مجيء وفود من الأعراب من خارج المدينة إليها في هذه المناسبة، ولم يكن في ذلك العصر مطاعم عامة، ولا فنادق ونحوها، مما يوجب على الناس أن يسمح بعضهم بعضًا، ولا يعيش، كل فرد لنفسه، غافلًا عن حاجة إخوانه، فلما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت