والشاهد الخامس هو: اجتهاد عمر بإيقاع طلاق الثلاث - بلفظة واحدة - ثلاثا، تبين به الزوجة بينونة كبرى، ولا تحل لزوجها حتى تنكح زوجًا غيره، على خلاف ما كان معمولًا به في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر، وصدرٍ من خلافة عمر نفسه، كما جاء ذلك في حديث ابن عباس، الذي رواه مسلم.
ونبادر فنقول هنا: إن النص الذي اجتهد فيه عمر ليس قطعي الثبوت، فليس هو قرآنًا، ولا حديثًا متواترًا، حتى إن البخاري لم يخرجه.
كما أنه ليس قطعي الدلالة، ففيه تأويلات كثيرة، يذكرها أتباع المذاهب، وشرَّاح الحديث، ويمكن الرجول إليها في كتاب مثل «نيل الأوطار» للشوكاني.
على أن اجتهاد عمر هنا كان ضربًا من التعزير الموكول إلى الإمام، ظن فيه ردعًا للقوم عن تتابعهم في أمر الطلاق، واستهتارهم به، فألزمهم بما أرادوه لأنفسهم من الاستعجال فيما كان لهم فيه أناة، وأوقع عليهم الثلاثة عقوبة لهم.
وقد بين الإمام ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن القيم في عدد من كتبهما: أن هذا من الأحكام التعزيرية التي تتغير بحسب اقتضاء المصلحة لها زمانًا ومكانًا وحالًا، وليس من الأحكام الثابتة، وأن عمر - رضي الله عنه - في آخر أيامه ندم عليه، وودّ لو كان منع الناس منه بدل إلزامهم به وإيقاعه عليهم (1) ، وقد ذكر ابن القيم ذلك في ألوان السياسة الشرعية التي ساس بها عمر الأمة في عهده، ونقل عن شيخه الكلمات البينة التالية:
(1) انظر: «إغاثة اللهفان» (1/ 246) ، وما بعدها.