فهرس الكتاب
اتفق جمهور الأمة على تعليل أحكام الشريعة، ووجوب رعاية المقاصد في الفقه والفتوى والقضاء.
وبالغ الظاهرية في الأخذ بظواهر النصوص، والاستمساك بحرفيّتها، على حد انتهى بهم إلى أفهام عجيبة، وآراء غريبة، ينكرها الشرع والعقل جميعًا، رغم عبقرية ابن حزم التي تشهد بها آثاره العلمية التي كان فيها نسيج وحده، ورغم ما له من آراء في فقه تعتبر غاية في الروعة والقوة.
مثل ذلك: ما قاله ابن حزم في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البول في الماء الراكد: «لَيبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لَا يجري ثم يغتسل منه» (1) ، وفي رواية: «ثم يتوضأ منه» (2) .
فابن حزم يرى أن البائل في الماء الراكد الذي - لا يجري - حرام عليه الوضوء من ذلك الماء والاغتسال به، لفَرض أو لغيره، وحكمه التيمم إن لم يجد غيره، وذلك الماء طاهر حلال شربه له ولغيره! «إن لم يغير البول شيئًا من أوصافه» ، وحلال الوضوء به والغُسل به لغيره.
رفض ابن حزم أن يقيس الشُرب على الوضوء، والغُسل، فأباح الشرب، وحرمهما على البائل، ورفض أن يقيس غير البائل على البائل.
وأكثر من ذلك أنه ربط الحكم بالبول المباشر في الماء، فلو بال خارجًا منه، ثم جرى البول فيه، فهو طاهر، يجوز الوضوء منه والغُسل، له ولغيره (3) وهو جمود عجيب!
(1) رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة، كما في صحيح الجامع الصغير [7593] .
(2) رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو عوانة عن أبي هريرة، كما في صحيح الجامع الصغير [7594] .
(3) انظر المسألة (136) من المحلى (1/ 114) وما بعدها،. مطبعة الإمام بمصر.