فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 316

قال أبو عبيد: وهذا مذهب الجزية والخراج، إنما هو على قدر الطاقة من أهل الذمة، بلا حمل عليهم «أي بلا إجحاف ولا إرهاق» ، ولا إضرار بفيء المسلمين، ليس فيه حد مؤقت، ألا ترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما كان فرضه على أهل اليمن دينارًا على كل حالم، في الأحاديث التي ذكرناها في كتبه إلى معاذ، وقيمة الدينار يومئذ إنما كان عشرة دراهم أو اثني عشر درهمًا؟ فهذا دون ما فرض عمر - رحمه الله - على أهل الشام وأهل العراق، وإنما يوجَّه هذا منه: أنه إنما زاد عليهم بقدر يسارهم وطاقتهم. وقد روي عن مجاهد مثل ذلك.

قال أبو عبيد: وقد روي عن الحسن بن صالح وغيره أنّهم كانوا لا يرون الزيادة على ما وظف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، وإن أطاقوا أكثر منها. قالوا: ونرى في النقصان من ذلك إذا عجزوا عن الوظيفة.

قال أبو عبيد: والذي اخترناه أن عليهم الزيادة كما يكون لهم النقصان، للزيادة التي زادها عمر على وظيفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وللزيادة التي زادها هو نفسه حين كانت ثمانية وأربعين، فجعلها خمسين.

قال أبو عبيد: ولو عجز أحدهم لحظة عن ديندار لحطّه من ذلك، حتى لقد روي أنه أجرى على شيخ منهم من بيت المال. وذلك أنه مَرَّ به شيخ وهو يسأل على الأبواب، وفعله عمر بن عبد العزيز (1) .

ومن الآراء المهمة للفاروق عمر في الفقه السياسي: رأيه البصير والشجاع، الذي اتخذه مع نصارى بني تغلب، وهم قبيلة كبيرة من العرب، كان مواقعها بالقرب من حدود دولة الروم، ولهم شوكة ومنعة، مع كثرة عدد، وقد ذكروا أنّهم قطعوا الفرات، وأرادوا اللحوق بالروم! وقد قال بعضهم لعمر: يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب من قد علمت شوكتهم

(1) انظر: الأموال، ص 55 - 58 بتحقيق: خليل هراس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت