فهرس الكتاب
من الدعاوى الكبيرة التي يتكئ عليها العلمانيون والمتغربون في عصرنا، ممن ينادون بتعطيل نصوص الشرع التي ثبتت بالقرآن والسنة الصحيحة، بدعوى معارضتها للمصالح التي يتوهمونها؛ قولهم: إن إمامنا في ذلك أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب! فهو الذي سنّ لهم هذه السنة فيما زعموا.
وقد ذكروا جملة من اجتهادات عمر - رضي الله عنه، ادعوا أنه خالف فيها النصوص القطعية الثبوت والدلالة، وقدم عليها المصالح التي اعتبرها في عصره، ورأى أنها أولى بالترجيح من النص.
أولا: عدم إعطاء «المؤلفة قلوبهم»
وأبرز ما يذكره هؤلاء العلمانيون والمتغربون ومن دار في فلكهم في تأييد دعواهم بتقديم المصالح على النصوص القطعية، هو: اجتهاد عمر - رضي الله عنه - في عدم إعطاء «المؤلفة قلوبهم» ما كانوا يأخذونه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
ووجه دلالة هذا التصرف العمري في نظر هؤلاء: أن الله قد قرر نصيبًا من الصدقات لهذا الصنف «المؤلفة قلوبهم» كما تنص الآية رقم 60 من سورة التوبة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أناسًا في عصره كانوا موصوفين بهذه الصفة، من أمثال: عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس التميمي، وعباس بن مرداس وغيرهم، وأن أبا بكر - رضي الله عنه - في خلافته أعطاهم كذلك، ثم رفض عمر أن يعطيهم بعد ذلك ما كانوا قد تعودوا على أخذه، قائلًا لهم: إن الله أعزّ الإسلام وأغنى عنكم.
يقول هؤلاء: فها هو عمر قد أبطل نصًّا قرآنيا، أوقف العمل بآية أو جزء من آية من كتاب الله تعالى، عمل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبله، فهذا دليل بيّن