فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 316

على أن من حق الإمام، أو المجتهد بصفة عامة، أن يوقف العمل بالنص ويجمده إذا عارض المصلحة، أو عارضته المصلحة.

وهؤلاء يزعمون أننا إذا سرنا في هذا الطريق - طريق الاجتهاد الحر المطلق من كل قيد، والذي يقدم العقل على النقل، والمصلحة على النص - سنحل مشاكل المسلمين المعاصرة، وتقنع الناس بمرونة الشريعة الإسلامية، وقابليتها للتطور، ومطاوعتها للمصالح المتغيّرة، وتجاوبها مع حاجات الناس في كل زمان ومكان.

وغفل هؤلاء أن هذه الشريعة المطواعة «الهلامية» التي أصبحت كالعجينة الطرية في يد كل ناظر، يشكلها بما شاء كيف شاء ومتى شاء: ليست هي الشريعة الإلهية التي أنزلها الله تعالى - أو أنزل أصولها - ليحتكم الناس إليها، ويرجعوا إلى نصوصها ومقاصدها عندما يتنازعون، كما قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .

وكما قال أحد العلماء بحق: إذا صح للحكام أو للمجتهدين أن يجمدوا أحكام الشريعة بعقولهم، فعلى نصوص الكتاب والسنة: السلام!

لقد استند كثيرون إلى فعل عمر هذا، ودعوا إلى الاستنان به، منهم الأستاذ أحمد أمين - رحمه الله -، الذي قال في بحث له: «والذي يحلّ مشاكلنا هو: فتح باب الاجتهاد، بعد أن أغلقه العلماء، والاجتهاد الذي نريده هو الاجتهاد المطلق لا الاجتهاد في المذهب، فهو يشمل كل شيء، حتى تقييد النص ووقف العمل به! متى استوفى المجتهد شروط الاجتهاد» ، ثم قال: «وإمامناط في ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -» . وذكر عنه أحكامًا مصدرها الاجتهاد، منها عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم سهمهم من الزكاة (1) .

(1) الاجتهاد في الإسلام - مقال منشور بالعدد الثاني من السنة الثالثة من مجلة «رسالة الإسلام» ، ص 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت