فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 316

واحتج ابن عقيل بما جرى من الخلفاء الراشدين من ألوان السياسة مما لا يجحده عالم بالسنن. قال: ولو لم يكن إلا خرق عثمان المصاحف (1) ، فإنه كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة، وتحريق علي - رضي الله عنه - الزنادقة في الأخاديد فقال:

لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا ÷ أججت ناري ودعوت قنبرا

ونفي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لنصر بن حجاج. ا. هـ.

قال ابن القيم: وهذا موضع مزلة أقالم، ومضلة أفهام. وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرّءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطَّلوها، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا: أنها حق مطابق للواقع، ظنّا منهم منافاتها لقواعد الشرع. ولعمر الله إنها لم تنافِ ما جاء به الرسول وإن نفت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم. والذي أوجب لهم ذلك:

-نوع تقصير في معرفة الشريعة،

-وتقصير في معرفة الواقع،

-وتنزيل أحدهما على الآخر.

فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمر إلا بأمر ٍ وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة: أحدثوا من أوضاع سياستهم شرا طويلًا، وفسادًا عريضًا - في «إعلام الموقعين» : فأحدثوا لهم «قوانين سياسية» ينتظم بها مصالح العالم - فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعزّ على العالِمِين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك.

وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله.

(1) وذلك لما أدخل بعض الصحابة في مصاحفهم تفسيربعض الكلمات، ثم أخذ المسلمون ينقلون هذه المصاحف، وبعضهم لا يفرق المفسِّرمن المفسَّر، جمع عثمان المصاحف كلها، وكتب المصحف الإمام. وألزم الناس أن لا يأخذوا إلا عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت