الديانات المختلفة في الدولة الواحدة التي تقوم على أساس من الدين - وجدنا ذلك غير مرغوب فيه كثيرًا، كما نجد أن من السهل تحقيق ذلك في عصرنا بما هو أيسر وأفضل من التمييز في الزي، وهو: بطاقة الهوية أو البطاقة الشخصية التي تتضمن - فيما تتضمنه - بيان ديانة حاملها، وبيان اسمه ولقبه وموطنه إلخ ... وفي هذا كل الكفاية للوفاء بالغرض، دون إحراج لغير المسلمين، أو إيذاء لمشاعرهم.
ومن الأحكام المنصوص عليها في الفقه: ما يستند إلى عرف أو وضع كان قائمًا في زمن الأئمة المجتهدين، أو في زمن مقلديهم من المتأخرين، ثم تغير هذا العرف أو الوضع في زمننا، كإسقاط شهادة من يمشي في الطريق مكشوف الرأس، أو من يأكل في الشارع، أو حليق اللحية، أو من يسمع الغناء، ونحو ذلك، مما تغير بها العرف، وعمت به البلوى في عصرنا، فهل نجمد على ما نص عليه الأولون، ونسقط شهادة هؤلاء جميعًا، ونعطل مصالح الخلق؟ أو نعتبر هذه الأحكام خاصة بزمنها وبيئتها؟ لا شك أن الثاني هو الصحيح.
ومن هنا كتب ابن القيم فصله الممتع في «إعلام الموقّعين» عن تغير الفتوى بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والبيئات والعوائد، قال في مطلعه: «هذا فصل عظيم النفع جدا، وقد يسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الْحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله