فهرس الكتاب
يستند القائلون بمعارضة المصالح للنصوص إلى كلامٍ قاله نجم الدين الطوفي (ت 716 هـ) .
وكلام الطوفي كما يبدو في ظاهره مردود عليه، وهو مما انفردوا به، وأنكره عليه عامة العلماء، وقد كنت كتبت من قبل معلقًا على مقولة الطوفي حول المصلحة: أنه لم يحدد المراد بالنص الذي تخصصه المصلحة: هل هو مطلق النص من الكتاب أو السنة وإن كان ظنيا، أو المراد النص القطعي في ثبوته ودلالته؟ والأول هو اللائق بأن يصدر من عالم أصولي، والثداني لا دليل عليه في كلامه، بل في كلامه ما يفيد العكس، فقد استثنى المقدرات والعبادات مما قاله، وما ذاك إلا لأن التقديرات قد حددها الشارع بوضوح، فلا
تقبل احتمالًا آخر، مثل تحديد أنصبة الورثة، ومقادير الواجب في الزكاة، ومدة العدة للمرأة المطلقة والمتوفى عنها زوجها، وعدد الجلدات في الحدود ونحوها، كما أن العبادات المحضة يجب أن تؤخذ بالتسليم (1) .
هذا ما قررته قديمًا عن طريق الاستنتاج.
وعند ما عدت إلى مقولة الطوفي، وقرأت كلامه بها بإمعان، تبين لي بيقين: أنه حين يذكر «النص» في كلامه لا يعني به إلا «النص الظني» في سنده وثبوته أو في متنه ودلالته، وهذا واضح لمن قرأ كلامه كله، ولم يقتصر على بعضه، ولم تضلله إطلاقاته وإيهاماته، وهو ما يؤخذ عليه فيما كتب.
يقول الطوفي:
«وأما النص فهو إما متواتر أو آحاد، وعلى التقديرين فهو إما صريح في الحكم، أو محتمل، فهي أربعة أقسام، فإن كان متواترًا صريحًا، فهو قاطع من جهة متنه ودلالته، لكن قد يكون محتملًا من جهة عموم أو إطلاق، وذلك
(1) انظر: كتابنا «المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة» فصل: معارضة النصوص بدعوى المصلحة، ص 358، وأيضًا: مناقشتنا لمن اعتمدوا على الطوفي لإسقاط عقوبات الحدود ونحوها في كتابنا: «بينات الحل الإسلامي» فصل: ليس الإسلام هو الحدود.