ومن هنا فهمنا كيف غير عمر - رضي الله عنه - رأيه في تقدير الجزية عما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو رجل كان وقّافًا عند كتاب الله تعالى وسنة رسوله.
فقد جاء في الحديث: «أن النبي - صلى الله علي وسلم - بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وأمر أن يأخذ من كل حالم - أي بالغ - دينارا أو عدله معافر» (1)
والمعافر ثياب يمنية معروفة، أي أجاز له أن يأخذ من الرجال البالغين من غير المسلمين بدل النقود: ثيابًا مما نسج في اليمن بقيمة الدينار المطلوب، تيسيرًا عليهم، ورفقًا بهم.
هذا ما أمر به الرسول المصطلفى معاذًا، ونفذه معاذ في اليمن في تقدير الجزية بدينار أو قيمته من ثياب اليمن.
ولكنا وجدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يرى رأيًا آخر في عهده في تقدير الجزية على أهلها، فهو لم يلتزم بالدينار ولا بقيمته، من ناحية، ثم لم يجعلها قدرًا واحدا لكل الناس، بل قسمها إلى مستويات ثلاثة، بحسب حالة اليسار لكل من وجبت عليه الجزية، فهناك المستوى الأعلى، والمستوى المتوسط، والمستوى الأدنى، وكل مستوى منها عليه ما يناسبه، وأقدره الصحابة على ذلك، ولم يعتبروا ذلك مخالفة للهدي النبوي.
(1) لفظ الحديث: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر، من كل أربعين مسنّة، ومن كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة، ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر» ، وقد رواه أحمد (5/ 230) ، عبد الرزاق [6841] ، وأبو داود في الزكاة [1578] ، والترمّذي وحسنه [623] والنسّائي (5/ 52، 62) ، وابن ماجه [1803] ، والدارمي (1/ 283) ، وابن حبّان في صحيحه (الإحسان [4886] ) ، والحاكم (1/ 398) وصحّحه ووافقه الذهبي، كلهم عن طريق أبي وائل عن مسروق عن معاذ، وقد رواه بعض هؤلاء عن معاذ من طرق أخرى. والحديث صحّحه العلماء قديما وحديثًا، وذكر ابن عبد البر في التمهيد (2/ 275) أن هذا الخبر عن معاذ مروي بإسناد متصل صحيح ثابت، وصححه الشيخ شاكر والألباني والأرناؤوط وغيرهم.