وحتى المصالح الضرورية هي متفاوتة فيما بينها، فتقدم المصلحة المتعلقة بحفظ الدين على المصلحة المتعلقة بحفظ النفس، إذ الدين هو غاية الكون، وروح الحياة، وجوهر الوجود، وسر الإنسان.
وصاحب الدين يقدم نفسه فداء لدينه، وقد يضحي بوطنه من أجل دينه، ناهيدك ببذل ماله وما يملك نصرة للدين، ولذا نجد من أول أهداف السياسة الشرعية: إشاعة الإيمان، ومقاومة الردة والمرتدين، والنفاق والمنافقين.
ثم يأتي بعد ذلك: ما يتعلق بحفظ النفس، أعني: الحياة، التي أعلى الدين من شأنها، وحرَّم أشد التحريم العدوان عليها، وقرر من قديم: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] . وقد صان الإسلام حق الحياة، حتى للجنين في بطن أمه، ولو جاء من طريق الحرام، كما في قصة الغامدية المشهورة.
والاعتداء على النفس أخف من الاعتداء على الأطراف والأعضاء.
ومن ثم، كان مسئولية الدولة المسلمة مسئولية جسيمة عن حماية حياة الناس وأرواحهم، حتى لا يعتدي عليها المعتدون، ولا عجب أن اشتدت شريعة الإسلام في إيجاب القصاص من هؤلاء، حتى يكونوا عبرة لغيرهم: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] ، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] .
بل شرع الإسلام أشد العقوبات للجماعات المسلحة التي ترهب الناس في الطرقات وتسفك دماءهم، وتأخذ أموالهم، فاعتبرهم محاربين لله ورسوله، ساعين في الأرض فسادًا، فقال - عزّ وجلّ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 33، 34] .