فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 316

أما الأحكام القطعية، ثبوتا ودلالة مثل أحكام الحدود الثابتة بمحكم القرآن - ف ليست محلّا للاجتهاد والقيل والقال، إلا في تفصيلات أحكامها وتطبيقاتها.

ولو كان كل حكم شرعي قابلًا للأخذ والرد، والجذب والشدّ، لأصبح شرع الله مادة «هلامية» يشكلها كل من شاء بما شاء، وكيف شاء، ولم يصبح الشرع ميزانًا يحتكم الناس إليه إذا اختلفوا، ويرجعون إليه إذا انحرفوا، بل يصبح هو نفسه في حاجة إلى ميزان آخر، ومعيار آخر، ويتشكل وفق أهواء الناس وأوضاعهم، يستقيم باستقامتهم ويعوج باعوجاجهم، وفي هذا إلغاء لمهمة شرع الله، ورسالته في ضبط أحوال الناس، وتقويم مسيرتهم بالقسط، وردهم إلى عدل الله وصراطه المستقيم.

واستنجاد الكاتب بالشيخ الطوفي هنا لا ينجده، لأن الطوفي لم يقل: إن المصلحة تلغي النصوص القطعية أو تنسخها، ولا يُتصور من مسلم - فضلًا عن فقيه أصولي - أن يقول هذا؛ لأن مقتضى هذا أن ينسخ الناس أحكام الشرع بأهوائهم أو آرائهم القاصرة، وأن يكون رأي البَشر فوق وحي الله، وأن يكون الإنسان أعلم من الله بمصلحة عباده، وهذا ما يرفضه الطوفي ومن دونه بيقين لاريب فيه.

كل ما يؤخذ من كلام الطوفي أن النصوص الظنية تخصصها المصالح القطعية، فالمصلحة عنده لا تفتئت على النص ولا تلغيه، ولكنها تخصصه وتقيده، وهذا لا يكون في النصوص القطعية الثبوت والدلالة؛ لأن طبيعتها القطعية تأبى أن تقبل التخصيص أو التقييد، إنما يكون ذلك في «العمومات» و «المطلقات» من النصوص، فالعام قابل لأن يخصص، والمطلق قابل لأن يقيَّد، لهذا قال الجمهور من الأصوليين: إن دلالة العام ظنية، ودلالة المطلق ظنية.

ثم إن الطوفي استثنى «العبادات والمقدَّرات» من تأثير المصالح عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت