المسلمين من إسقاط ذلك الاسم عنهم، مع استيفاء ما يجب عليهم من الجزية، فأسقطها عنهم، واستوفاها باسم الصدقة حين ضاعفها عليهم، فكان في ذلك رتق ما خاف من فتقهم «إفسادهم» مع الاستيفاء لحقوق المسلمين في رقابهم، وكان مسددًا.
كم روي في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه» .
وكقول عبد الله «يعني: ابن مسعود» فيه: «ما رأيت عمر قط إلا وكأن ملكًا بين عينيه يسدده» .
ومثل قول علي: «ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر»
وكقول عائشة فيه: «كان والله أحوزيا (1) نسيج وحده، قد أعدّ للأمور أقرانها» .
فكانت فعلته هذه من تلك الأقران التي أعدّ، في كثير من محاسنه لا تحصى.
فالذي يؤخذ من بني تغلب، وإن كان يسمى صدقة، فليس بصدقة، لما أعلمتك، ولا يوضع في الأصناف الثمانية التي في سورة براءة، إنما موضعها الجزية (2) .
إن اجتهاد عمر في قضية بني تغلب، وقبوله منهم إسقاط «اسم الجزية» وعنوانها عنهم، ودفع ما يدفعونه إلى الدولة المسلمة أو إلى بيت المال باسم الزكاة أو الصدقة: اجتهاد له قيمته وأهميته في باب السياسة الشرعية،
(1) الحاذق السريع في كل ما شرع فيه، الحسن السياقة للأمور.
(2) انظر: الأموال، ص 227، 723.