فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 316

بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - أتم دلالة وأصدقها» (1) .

وقد نقل ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه مر مع بعض أصحابه على قوم من التتار في دمشق يشربون الخمر ويسكرون، فأنكر عليهم بعض أصحابه أن يتناولوا أم الخبائث، فقال لهم ابن تيمية: دعوهم في سكرهم ولهوهم، فإنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدّهم الخمر عن سفك الدماء ونهب الأموال!!

فأقرّهم على هذا المنكر مخافة منكر أكبر منه، ونبّه ابن تيمية أصحابه على ضرورة رعاية الأحوال عند الدعوة، وعند الإفتاء.

وقد قال الإمام مالك - رحمه الله: «تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور» .

قال الزرقان (2) : ومراده أن يحدثوا أمورًا تقتضي أصول الشريعة فيها غير ما اقتضته قبل دحوث ذلك الأمر.

وقال - رضي الله عنه - فيمن له (3) ماء وراء أرضٍ دون أرضه، فأراد أن يجري ماءه في أرض جاره: إنه ليس له ذلك. ولم يأخذ بما روي عن عمر - رضي الله عنه - في قضية محمد بن مسلمة مع الضحاك، وهذه رواية ابن القاسم عنه.

وروى أشهب عنه المنع أيضًا، لكن لا على وجه المخالفة لعمر في أصل الحكم وأنه لا يجوز، بل أفتى بالمنع سدا لذريعة الفساد وتغير أحوال الناس، فقد كان الصلاح في زمن عمر ظاهرًا لا يدعي أحد ملك ما ليس له بمجرد إمرار الماء؛ فلما تغير الحال في زمن مالك، وكثرت الدعاوى الباطلة، منع من ذلك.

قال أسهب رواية عن إمامه: «كان يقال: يحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور» . وأخذ بها من يوثق، فلو كان معتدلًا في زماننا هذا كاعتداله في

(1) «إعلام الموقّعين» (3/ 14، 15) .

(2) «شرح الموطأ» (2/ 5) .

(3) «المنتقى» (6/ 46) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت