زمان عمر، رأيت أن يُقضَى له بإرجاء مائه في أرضك؛ لأنك تشرب به أولًا وآخرًا ولا يضرّك؛ ولكن فسد الزمان واستحقوا التهم، فأخاف أن يطول الزمان وينسى ما كان عليه جري هذا الماء، وقد يدعي جارك عليك به دعوى في أرضك.
وهذه الرواية اختارها ابن كنانة.
وقد قال ابن حزم في الأحكام (1) : «خالف مالك أبا بكر في خمس قضايا، وخالف عمر في نحو ثلاثين قضية» . خالفهما مع ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي والحاكم في المستدرك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» ، ولعل منشأ هذه المخالفة مع أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باتباع سنتهم هو العمل بالمصلحة المتغيّرة المشابهة لمسألة إمرار الماء (2) .
ويروون عن الإمام ابن زيد القيرواني صاحب «الرسالة» المشهورة في الفقه المالكي: أنه كان يقتني كلبا للحراسة في داره، ويبدون أن داره كانت في أطراف البلد، فقيل له: كيف تقتني كلبا وأنت تعلم أن «مالكًا» كان يكره ذلك؟ فقال: لو كان مالك في زماننا لاتخذ أسدًا ضاريًا!!
وفي تراث المالكية نجد الإمام القرافي في كتابه «الإحكام» يقول في السؤال التاسع والثلاثين: «ما الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب الشافعي ومالك وغيرهما، المرتبة على العوائد والعرف اللذين كانا حاصلين حالة جزم العلماء بهذه الأحكام؟ فهل إذا تغيرت تلك العوائد وصارت العوائد تدل على ضد ما كانت تدل عليه أولًا، فهل تبطل هذه الفتاوى المسطورة في كتب الفقهاء ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجدّدة؟ أو يقال: نحن مقلون، وما لنا إحداث شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد، فتفتي بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين؟» .
(2) انظر: «تعليل الأحكام» للشيخ محمد مصطفى شلبي.