فهرس الكتاب
منهم الحكيم الذي يستشار في المسائل العويصة، ويقال عن مثله: من «ذوي الرأي» .
ومنهم السطحي الذي يكتفي بالنظر ة العجلي، ولا ينفذ إلى أعماق القضية.
منهم من يتخذ رأيه وحده، ولا يستشير أحدا ممن حوله، وإن كان الأمر بعيد الأثر، عظيم الخطر.
ومنهم من يستشير الرجال، فيشاركها في عقولها، ويضيف إلى عقله عقلًا آخر، أو عقولًا أخرى.
ثم إن كلمة «الرأي» كثيرًا ما تطلق على «المرئي» نفسه من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول، كما يقال: اللفظ بمعنى «الملفوظ» والخلق بمعنى «المخلوق» . فحين نقول: رأيي في هذه القضية كذا ... ورأيك مخالف لرأيي، تقصد: ما ارتآه كل منكما، وانتهى إليه من حكم أو قرار أو موقف.
والرأي بهذا المعنى هو الذي نتناوله بالبحث هنا، فحينما نتحدث عن رأي الإمام أو نائبه نعني به: ما وصل إليه وما اتخذه من أحكام أو مواقف أو قرارات في قضية من القضايا: سياسية أو مالية أو إدارية أو غيرها.
و «الرأي» في تراثنا الفقهي له حديث طويل، وقد عرف في تاريخنا مدرستان كبيران: إحداهما أطلقوا عليها «مدرسة الرأي» وعلى رجالها «أصحاب الرأي» وهم: أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من فقهاء العراق.
ويقابلها مدرسة آخرى سمّوها «مدرسة الأثر» ويعنون بها: فقهاء الحجاز في المدينة ومكة. وإن كان هذا التقسيم يحتاج إلى دراسة متأنية ليعلم المقصود منه بالضبط، فقد جعلوا الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة من علماء الأثر،