فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 316

والذي يظهر لي - والله أعلم - أن اجتهاد عمر فتح الباب لمن بعده من الأئمة ليجتهدوا لزمنهم وبيئتهم كما اجتهد هو - رضي الله عنه - لزمنه وبيئته.

ووجود الإجماع لا يمنع النسخ؛ لأن الإجماع الذي لا يقبل النسخ هو المبني على نص ثابت محكم، أما لإجماع المبني على اعتبار مصلحي، فهو قابل لتيغير الحكم إذا تغيرت المصلحة التي بني عليها، فهي علة الحكم، والمعلول يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

ومن هنا لا نرى حرجًا في إلحاق غير بني تغلب ببني تغلب في جواز إسقاط اسم الجزية عنهم، وأخذ ما يؤخذ منهم باسم «الزكاة» أو باسم «الضريبة» ما داموا يأنفون من كلمة الجزية.

أمّا مقدار هذه الضريبة فيمكن أن تكون بمقدار الزكاة التي يدفعها المسلمون، ويمكن أن يدفعوا مقدارًا آخر باعتباره «بدل الخدمة العسكرية» إلا إذا دخلوا في الجيش، وأدوا الخدمة المقررة، كما يؤديها المسلمون.

ويبدو أن هذا هو اتجاه الإمام الشوكاني في كتاب «السيل الجرار» ، فقد جعل للإمام المتبصر العارف بمصادر الشريعة ومواردها حق الاجتهاد في تقدير الجزية أو المصالحة عليها بما فيه مصلحة للأمة.

وقد علق على ما جاء في متن «الأزهار» في فقه الزيدية عما يؤخذ من غير المسلمين، عن طريق الصلح، ومنه ما يؤخذ من بني تغلب، قال - رحمه الله:

ما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - من مصالحة أهل البحرين، وكانوا مجوسًا، كما ثبت في الصحيحين، وكذلك مصالحته لأكيدر دومة، وكذلك مصالحة أهل نجران: كل ذلك جزية صالحهم على مقدارها بما روى عنه في ذلك، وليس ذلك مالًا آخر غير الجزية، وفي ذلك دليل على أن للإمام أن يصالح عن الجزية بما فيه مصلحة.

وكذلك علق على ما يؤخذ من تجار أهل الحرب، فقال: للإمام أن يأذن لتجار أهل الحرب أن يدخلوا بتجارتهم إلى أرض المسلمين إذا كان في ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت