فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 316

يحد، لنصب الشارع عليه دليلًا واضحًا، كما نصب على التوسعة في وجوه العبادات أدلة لا يوقف منها على المنصوص عليه، دون ما شابهه وقاربه وجامعه في المعنى المفهوم من الأصل المنصوص عليه، ولكان ذلك يتسع في أبواب العبادات. ولما لم نجد ذلك كذلك، بل على خلافه، دل على أن المقصود الوقوف عند ذلك المحدود، إلا أن يتبين - بنص أو إجماع - معنى مراد في بعض الصدور، فلا لوم على من اعتبره، لكن ذلك قليل، وإنما الأصل: ما عم في الباب وغلب في الموضع.

وأيضًا فإن المناسب «أي الوصف الذي اعتبر علة للحكم» في العبادات معدود عندهم مما لا نظير له، كالمشقة في قصر المسافر وإفطاره، والجمع بين الصلاتين، وما أشبه ذلك، «يريد أن المشقة لم يعتد بها في غير الصوم، وقصر الصلاة في السفر، ولو كانت المشقة أضعاف ما يحصل في السفر» .

الثالث: إن وجوه التعبّدات في أزمنة الفترات «التي لم يبعث للناس فيها رسول» لم يهتد إليها العقلاء اهتداءهم لوجوه معاني العادات، فقد رأيت الغالب فيهم الضلال فيها، والمشي على غير طريق، ومن ثم حصل التغيير في ما بقي من الشرائع المتقدمة، وهذا مما يدل دلالة واضحة على أن العقل لا يستقل بدرك معانيها ولا بوضعها فافتقرنا إلى الشريعة في ذلك.

فإذا ثبت هذا، لم يكن بدّ من الرجوع في هذا الباب إلى ما حدّه الشارع، وهو معنى التعبد (1) .

الأصل في العادات والمعاملات: الالتفات إلى المعاني والمقاصد:

ودلل الشاطبي على أن الأصل في العادات والمعاملات: الالتفات إلى المعاني والمقاصد والحكم والأسرار بعدة أدلة:

أولها: الاستقراء. قال: فإنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد،

(1) انظر: «الموافقات» للشاطبي مع تعليق الشيخ عبد الله دراز (2/ 300 - 304) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت