وجدت حالة مشابهة للحالة الأولى ... وإنما الفتوى هي التي تغيرت بتغيّر مناط الحكم.
وقد قال الفقيه الجليل الشيخ علي الخفيف معقبًا على الأشياء التي جوزها متأخرو الحنفية، والتي تذكر عادة كأمثلة على تغير بعض الأحكام وتبدلها بتغيّر الأعراف وتبدل الأزمان:
«الواقع أن مثل هذا لا يعد تغييرًا ولا تبديلًا إذا ما روعي في كل حادثة ظروفها وملابساتها، وما لتلك الظروف والملابسات من صلة بالحكم الذي جعل لها؛ إذ الواقع أن الفقيه أو المجتهد إذا ما عرضت عليه مسألة من المسائل راعى ظروفها وملابساتها، الوسط التي حدثت فيه، ثم استنبط لها الحكم المتفِق مع كل هذا.
فإذا تغير الوسط، وتبدل العرف الذي حدثت فيه الواقعة، تغيرت بذلك المسألةُ وتبدل وجهها، وكانت مسألة أخرى اقتضت حكمًا آخر لها».
«وهذا لا ينفي أن المسألة السابقة بظروفها لا زالت على حكمها، وأنها لو تجددت بظروفها ووسطها لم يتبدل حكمها.
فأخذ الأجرة على تعليم القرآن في وسطٍ يقوم أهله بتعليمه احتسابا لوجه الله، وطاعة له، غير جائز في كل مكان، وفي كل زمان.
وأخذ الأجرة على تعليمه في وسطٍ انصرف أهله عن تعليم القرآن والدين - إلا بأجر - أمر جائز في كل زمان ومكان ... » (1) .
وهذا قول فقيه بصير، صدر عن فهم عميق، وعلم وثيق.
وهذا يؤيد ما ذكره ابن القيم من أن الفتوى هي التي تغيرت، وليس الحكم الشرعي، فيجوز أن يعود الحكم السابق - كما قال شيخنا الخفيف رحمه الله - إذا عادت نفس الظروف الأولى أو ظروف تشبهها.
وذلك مثل تبعية الزوجة لزوجها في حالة الاغتراب عن بلده، فقد ألزم
(1) انظر: محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء، ص 257، نشر معهد الدراسات العربية والعالمية، التابع لجامعة الدول العربية.