ثم يجيب عن هذا السؤال بقوله:
إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغيّر تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغيّر الحكم فيه عند تغيّر العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجدّدة، وليس هذا تجديدا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد» (1) .
ونلاحظ هنا أن كلام القرافي إنما هو في الأحكام التي مدركها ومستندها العوائد والأعراف، لا تلك التي مستندها النصوص المحكمات.
ويعود القرافي إلى هذا الموضوع مرة أخرى في الفرق الثامن والعشرين من كتابه «الفروق» فيؤكّد أن القانون الواجب على أهل الفقه والفتوى مراعاته على طول الأيام، هو ملاحظة تغير الأعراف والعادات بتغير الأزمان والبلدان.
ويقول: «فمهما تجدّد من العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، لا تجبره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأجره عليه، وأفتِه به، دون عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين» (2) .
أما عند الحنفية فنجد مجموعة كبيرة من الأحكام الاجتهادية التي قال بها المتقدمون، أعرض عنها المتأخرون، وأفتوا بما يخالفها، لتغيّر العرف، نتيجة
(1) «الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام» ، ص 231، طبعة حلب، تحقيق الشيخ أبي غدة.
(2) «الفروق» (1/ 176 - 177) .