ترى أن الأقعد يرث دون الأطراف، وإن كانت القرابة تجمعهم؟ يقول: فكذلك هم في ميراث الإسلام، أولاهم بالتفضيل فيه أنصرهم له وأقومهم به، وأَذَبّهم عنه «أكثرهم دفاعًا عنه» .
قال أبو عبيد: بلغني عن ابن عيينة كلام هذا معناه، وإن اختلف اللفظ - فيما تأول على أبي بكر وعمر - وليس يوجد عندي في هذا تأويل أحسن منه (1) .
ومع هذا التمييز والتفضيل في العطاء الذي ارتآه عمر، فقد كان يعرف لذوي الحاجات حقوقهم، ويقدمهم على غيرهم إذا جاءه مال للتوزيع.
روى الإمام أحمد في مسنده عن عدي بن حاتم، قال: أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجعل يفرض للرجل من طيئ في ألفين ويعرض عني، قال: فاستقبلته، فأعرض عني، ثم أتيته من حيال وجهه فأعرض عني، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ قال: فضحك حتى استلقى لقفاه، ثم قال: نعم والله إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيضتْ وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووجوه أصحابه صدقة طيئ، جئت بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أخذ يعتذر، ثم قال: إنما فرضت لقوم أجحفت بدم الفاقة، وهم سادة عشائرهم، لما ينوبهم من الحقوق (2) .
ويعلق الشهيد سيد قطب على هذه الوقائع، فيقول:
هما رأيان إذن في تقسيم المال: رأى أبي بكر ورأي عمر. وقد كان لرأي عمر - رضي الله عنه - سنده: «لا أجعل من قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كمن قاتل معه» ،
(1) «الأموال» لأبي عبيد (375، 376) .
(2) صححه الشيخ شاكر والشيخ شعيب في «تخريج المسند» [316] وكيف لا، وقد رواه مسلم في صحيحه [2523] .