فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 316

لا يملك فقيه بصير بالقرآن وباللغة ودلالتها: أن يزعم أن الآية الكريمة تدل على ذلك دلالة قطعية؛ لأن حقيقة ما يغنمه الإنسان في الحرب: ما يحوزه بالفعل، ويستولي عليه، وهذا معقول ومشاهد في الكراع والسلاح والثياب والنقود، والأدوات، ونحوها، مما يمكن أخذه وحمله ونقله.

بخلاف الأراضي الشاسعة، والسهول الواسعة، والجبال الشامخة، والأنهار العظيمة، فمن ذا الذي يقول: إنه حازها واستولى عليها إلا بضرب من التجوّز والتوسع في الاستعمال اللغوي، وليس على الحقيقة؟

فكأن عمر قال للصحابة الذين عارضوه، وطلبوا منه قسمتها عليهم: إنكم لم تغنموا هذه الأرض على وجه الحقيقة، فلا دليل لكم في آية الغنيمة؛ لأنها في المنقولات وما أشبهها.

وإذا كان عمر لم يخالف نصّا قطعيا بتركه العمل بآية توزيع الغنيمة، فهو من باب أولى لم يخالف نصًّا قطعيا إذ لم يأخذ بالتقسيم النبوي لخيبر.

لا نريد أن ندخل في مناقشة تقسيم خيبر: هل هو قطعي الثبوت أو ظني الثبوت كما هو شأن جملة أحاديث الآحاد؛ لأننا نسلم بثبوت ذلك وشهرته، ولا مجال للنزاع فيه.

ولكن الذي نريد مناقشته هنا هو «دلالة الفعل النبويّ» على وجوب قسمة الأرض المفتوحة، ودعوى قطعية هذه الدلالة، وأن ابن الخطاب خالف هذه القطعية.

1 -ونودّ أولًا: أن نبين هنا أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدلّ - بذاته - على الوجوب، بل على مجرّد المشروعية، وإن دلّ على الوجوب، فلا بد أن يكون بقرينة أخرى مصاحبة له، لا بذات الفعل.

ولهذا وسع عمر ومن وافقه وأشار عليه من فقهاء الصحابة - من أمثال عليّ ومعاذ - أن يخالفوه ظاهرًا، وإن لم يخالفوه حقيقة، كما سنبين بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت