2 -ثم نبيّن ثانيًا: أن كثيرًا من هذه التصرفات النبوية التي تدخل في باب السياسة والإدارة والاقتصاد، هي - في الغالب - تصرفات بوصف الإمامة، لا بوصف التبليغ عن الله تبارك وتعالى، أي أن هذا قرار من قرارات السلطة السياسية أو الإدارية العليا، اتخذه الرسول الكريم في ضوء المصلحة المرعيّة في وقته.
وهو بهذا يسنّ للأئمة من بعده أن يتصرفوا بهذه الصفة، كما تصرف، ويتخذوا من المواقف والقرارات ما يرونه أصلح لزمانهم ومكانهم، وإن خالفوا في بعض الجزئيات في بعض المواقف أو الآراء النبوية، بل هم بهذا مطبقون للمنهج النبويّ في رعاية المصالح، ودرء المفاسد حسب ظروف الزمان والمكان.
3 -ثم نذكر هنا ثالثًا: أن السنة النبوية ثبت فيها تقسيم الأرض، وترك تقسيم الأرض، وكلاهما سنة متبعة، فقد ثبت في السيرة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة عنوة، ولو في جزء منها على الأقل، ومع هذا لم يقسم أرضها ولا دورها، بل تركها في أيدي أهلها، وهذا لا ينازع فيه منازع، وفي هذا متسع لاقتداء عمر به.
وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية أقوى الدعاة إلى اتباع السنّة، والاهتداء بهدي السلف في القرون الماضية.
يقول في «فتوى» له - رحمه الله:
« ... حبس عمر وعثمان - رضي الله عنهما - للأرضين المفتوحة، وترك قسمتها على القائمين، فمن قال: إن هذا لا يجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم خيبر، وقال: إن الإمام إذا حبسها «أي وقفها لمصلحة الأمة كلها» نقض حكمه، لأجل مخالفة السنّة، فهذا القول خطأ، وجرأة على الخلفاء الراشدين، فإن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر، إنما يدل على جواز ما فعله، لا يدل على وجوبه، فلو لم يكن معنا دليل على عدم وجوب ذلك، لكان فعل الخلفاء الراشدين دليلًا على عدم الوجوب.