فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 316

فكيف وقد ثبت أنه فتح مكة عنوة، كما استفاضت به الأحاديث الصحيحة، بل تواتر ذلك عند أهل المغازي والسير؟

ومع هذا، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقسم أرضها، فعلم جواز الأمرين (1) . ا. هـ.

فالنتيجة أن قسمة الأرض المفتوحة سنة، وعدم قسمتها سنة أيضًا.

كل ما هنالك: أن ما فعله الرسول الأكرم، في كلتا سنتَيه، كان هو الأوفق والأحكم، فقد كان المسلمون من صحابته الكرام - في غزوة خيبر - في حاجة إلى ما يشدّ أزرهم، ويقوّي ظهرهم، ويعوّضهم عما فاتهم بسبب الجهاد المتواصل، وخصوصًا بعد أن بايعوا على الموت في الحديبية، وكانت أرض خيبر، أرض بلدة أو منطقة محدودة، ليست كسواد العراق، أو بلاد الشام أو أرض مصر، وكان أهلها أصلًا دخلاء على جزيرة العرب، وطالما أفسدوا فيها، وآن لهم أن يخرجوا منها ... كل هذه الاعتبارات رجحت تقسيم أرضهم على المقاتلين المنتصرين.

بخلاف الأراضي التي رفض عمر تقسيمها، فهي ليست منطقة أو قرية أو مدينة، بل هي أراضي ممالك وأقطار كبيرة مثل مصر والشام والعراق، وملاكها ليسوا دخلاء عليها كاليهود على الجزيرة، وإجلاؤهم عنها غير وارد ولا ممكن، فكان الخير والمصلحة للدنيا وللدين في إبقائها بيد أهلها، يحيونها ويعمرونها ويعملون فيها، ويفرض عليها خراج يعود إلى الدولة بصفة دورية، يكون رصيدا للإنفاق على مصالح الأمة وسدّ ثغراتها، وتلبية حاجاتها، وخصوصًا على حراس الدولة من العسكريين كالجنود، والمدنيين كالقضاة والفقهاء والمعلمين.

وهذا ما صرح به المحققون من العلماء، وأشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن قدامة في «المغني» حيث قال - رحمه الله - معللًا الرواية التي جاءت عن الإمام

(1) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (20/ 574، 575) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت