فهرس الكتاب
إفهامها ودلالتها، بحكم وضعها اللغوي، وبحكم الاستقراء: أنه قلما يوجد نص لا يحتمل أكثر من وجه وأكثر من فهم، وقد يكون تعدّد الأفهام هذا رحمة وتوسعة من الله تعالى على عباده.
وأود أن أقول هنا: إن الظنيات من النصوص والمصالح قد يعارض بعضها بعضًا، فإذا تعارضت مصلحة ظنية - أعني أنها مصلحة راجحة وليست قطعية - مع نص ظني، فالواجب أن تقدم النص؛ لأنه - وإن كان ظنيا - أقوى من المصلحة التي قد يشوبها الهوى، وتلابسها ظروف آنية ومحلية وشخصية، والنص في أصله يستند إلى السماء، والمصلحة في أصلها نابعة من الأرض. وهذا بخلاف ما إذا كان المصلحة قطعية والنص ظنيا.
والذي يهمنا تقريره هنا: أن المصالح المقطوع بها يمكن أن تعارض بعض النصوص الظنية، وخصوصًا ظنية الدلالة، وعندئذ لا بدّ أن نحاول فهم النص الظني فهما آخر، يخرجه عن هذا التعارض مع المصلحة الحقيقية، كأن نحمل النص العام على الخصوص، أو نخرج بالنص المطلق عن إطلاقه، فنقيّده، أو نفسّره تفسيرًا ينقله من الحرفية إلى الفحوى، إلى غير ذلك من الفهوم والتفسيرات، التي تقبلها اللغة، وتحتملها الألفاظ والكلمات.
أما النص القطعي في ثبوته ودلالته، فلا يمكن أن يعارض مصلحة قطعية؛ لأن القطعيات لا تتعارض، والحقائق لا تتناقض، ومن آمن بالألوهية الواحدة العليمة الحكيمة القادرة، وآمن أن هذا الكون بكلّ ما فيه هو خلق الله تعالى وفعله، وأن الشرع هو وحيه وأمره، وأيقن أن قول الله لا يمكن أن يناقض فعله، وأمره لا يمكن أن يعارض خلقه، فلا يتصور أن تتناقض مصلحة حقيقية لخلقه مع نص قطعي من أمره.