فيدفع الضرر الأعلى بتحمل الضرر الأدنى، والضرر العام بتحمل الضرر الخاص، وتُفوَّت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، ويُسكت على المنكر مخافة وقوع منكر أكبر منه.
ومن هذا التيسير: أنها أجازوا للإنسان في حالة الإكراه ما لا يجوز في حالة الاختيار، حيث إنه سلب إرادته التي هي - مع العقل - أساس مسئوليته، وجاء في الحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (1) .
حتى أجاز القرآن للمُكره أن ينطق بكلمة الكفر، ولا حرج عليه في إيمانه، كما قال عز وجل: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] .
وللسياسة عند علمائنا القدامى معنيان:
أحدهما: المعنى العام، وهو تدبير أمور الناس وشؤون دنياهم بشرائع الدين، ولهذا نجدهم يعرفون «الخلافة» بأنها: نيابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حراسة الدين، وسياسة الدنيا به.
والثانية: المعنى الخاص، وهو ما يراه الإمام أو يصدره من الأحكام والقرارات، زجرًا عن فساد واقع، أو وقاية من فساد متوقع، أو علاجًا لوضع خاص.
(1) رواه ابن ماجه [2045] ، وابن حبّان في صحيحه [7219] ، والحاكم (2/ 198) وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي والبيهقي (7/ 356) كلهم عن ابن عباس. وانظر:
كلام ابنرجب على الحديث التاسع والثلاثين في «جامع العلوم والحكم» (2/ 361) وما بعدها وتعقيب مخرجه، ومعنى الحديث ثابت بالقرآن بلا شك، كما في الآيات (286) من البقرة، والآية (5) من الأحزاب، والآية (106) من النحل، والآية (28) من آل عمران.