أما الأحكام نفسها فهي متفاوتة، فالفرض غير المندوب، والحرام غير المكروه، والأعمال التي تقع عليها الأحكام متفاوتة في مراتبتها، وليست سواء.
وهذا ما نص عليه القرآن بعبارة صريحة حين قال: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة: 19، 20] .
وما نصت عليه الأحاديث الصحيحة، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم: «اَلْإِيْمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّوْنَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُوْنَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيْقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيْمَانِ» . متفق عليه.
فجعل من هذه الشعب أعلى وأدنى، وبين الأعلى والأدنى وسط، فلا يجوز أن نقلب الوضع، ونجعل الأعلى أدنى، والأدنى أعلى.
ولا غرو أن وجدنا في السنّة أسئلة كثيرة للصحابة عن أفضل الأعمال، وذلك ليقينهم بأن الأعمال تتفاضل وتتفاوت درجامها.
والقرآن الكريم يقدم الرابطة الدينية على كل الروابط الأخرى، ويجعل حب الله ورسوله والجهاد في سبيله فوق كل العواطف والولاءات والعلاقات الأخرى، التي يحرص عليها الناس في العادة، يقول تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .
فهذه أولوية يجب أن تراعى.
ومن هنا تكون السياسة الشرعية الموفقة هي التي تقدم الأهم على المهمّ، والمهم على غير المهم، وتراعي «التسعير الشرعي» للأعمال، فتقدم الأغلى