فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 316

ذلك، ولم يكن فيه إبطال لكون تلك الطرق موصلة إلى المقصود، وإن كان فيه نهي عن سلوكهالمصلحة الأمة.

ومن ذلك: تحريق علي - رضي الله عنه - الزنادقة الرافضة، وهو يعلم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتل الكافر، ولكن لما رأى أمرًا عظيما، جعل عقوبته من أعظم العقوبات؛ لينزجر الناس عن مثله. ولذلك قال:

لما رأيت الأمر منكرا ÷ أججت ناري ودعوت قنبرا

وقنبر غلامه. وهذا الذي ذكرناه: جميع الفقهاء يقولون به في الجملة، وإن تنازعوا في كثير من موارده. اهـ (1) .

وعرض ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» ما اشتهر عند بعضهم من تقسيم طرق الحكم على شريعة وسياسة، فقال:

وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل، وكل ذلك تقسيم باطل، بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح، وفاسد؛ فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها، والباطل ضدّها ومنافيها، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده، وإنما حاجاتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة، لا تُحْوِج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من

(1) انظر: الطرق الحكمية لابن القيم (13 - 19) طبعة السنة المحمدية، بتحقيق محمد حامد الفقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت