قال ابن القيم: فصل في الرأي المحمود، وهو أنواع:
النوع الأول: رأي أفقه الأمة، وأبرّ الأمة قلوبا، وأعمقهم علما، وأقلهم تكلّفا، وأصحّهم قصودًا، وأكملهم فطرة، وأتمهم إدراكًا، وأصفاهم أذهانًا، الذي شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول؛ فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كنسبتهم إلى صحبته؛ والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل؛ فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم.
والمقصود أن أحدًا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته؟ كمارأى عمر في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن تحجب نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن يتخذ من مقام إبراهيم مُصَلّى فنزل القرآن بموافقته؛ وقال لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اجتمعن في الغيرة عليه {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ} [التحريم: 5] فنزل القرآن بموافقته، ولما توفي عبد الله بن أبيّ قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه، فقال: يارسول الله، إنه منافق، فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عليه: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] .
وقد قال سعد بن معاذ لما حكّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - في بني قريظة: إني أرى أن تقتل مقاتلهم، وتَسبى ذرياتهم، وتغنم أموالهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات» .
وحقيق بمن كان آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا؟ وهو الرأي الصادرُ من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمة وعلما ومعرفة وفهما عن الله ورسوله ونصيحة للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم،