فهرس الكتاب
السياسة الشرعية ليس جامدة جمود الصخر، كما يتوهم المتوهمون، بل هي متحركة بحركة الأمة، وحركة الحياة، فإن الشريعة التي تحتكم إليها ليست غِلًّا ولا قيدًا يعوق الفرد أو المجتمع عن الحركة والانطلاق، بل هي منار يهدي، ومصباح يضيء الطريق، وفيها من أسباب السعة والمرونة: ما يفسح المجال للعمل والبناء والحركة، والاجتهاد للرقي بالأمة، إلى آفاق التقدم والحضارة، ولكن حركة الأمة وحركة الإمام: حركة مأمونة منضبطة، أشبه بحركة الكوكب الذي يسبح في الفضاء الرحب، ولكن في مدار ثابت، وحول محور ثابت.
ومن المقرر أن رأي الإمام، أي اجتهاده في أمور السياسة والإدارة وفي فقه الأحكام بصفة عامة: قد يتغيّر بتغيّر الظروف والأحوال، التي تؤثر في اجتهاد المجتهد، إيجابًا أو سلبًا، فتجعله هو نفسه يغير رأيه وفتواه فيما حكم به من قبل، فيعدل رأيه، أو يقيده، أو يلغيه، وفق ما يؤدي إليه اجتهاده الجديد، كما كان عمر يقضي في القضية في عام بحكم معين، ثم يقضي فيها نفسها في عام آخر بحكم آخر، فإذا سئل عن ذلك قال: هذا على ما علمنا، وذاك على ما علمنا. أي أنه قضى بما أدى إليه علمه واجتهاده في الحالين.
وربما عدل هو عن رأي الإمام الذي قبله، لتغيّر الظروف في زمنه عن زمن من قبله، أو لاعتبار رآه ولحظه، لم يلحظه من قبله.
ولهذا رأينا الخلفاء الراشدين، يختلفون في بعض القضايا، ويرى الواحد منهم غير رأى من قبله؛ إذ هو مجتهد، والمجتهد لا يلزم شرعًا إلا باجتهاد نفسه، ولو ترك اجتهاد نفسه الذي اقتنع به، وعمل باجتهاد غيره، لكان آثما، إلا في حالة الشورى التي ينزل المجتهد فيها عن رأيه لرأي الجماعة، كما