فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 316

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن عمر الذي أشار عليه بكتابته، ما زال يقنعه بما فيه من خير ومصلحة للإسلام ولأهله، حتى اقتنع وانشرح صدره به.

وكذلك رأى عثمان - بمشورة الصحابة - أن يجمعهم على مصحف واحد، يكتب تحت إشراف الخلافة، وتترك المصاحف الفردية، التي حفلت بتفسيرات وتعليقات مختلفة، بل تحرق كلها، ولا يبقى إلا المصحف الإمام.

وإذا كان الصحابة قد تشددوا وتحفظوا في جانب العبادات والشئون الدينية الخالصة، وكان موقفهم الاتباع المطلق، وسد الباب إلى الإحداث في الدين والابتداع فيه، فقد كان موقفهم في العادات والمعاملات والشئون الدنيوية هو الابتداع والاختراع، أي ابتكار الوسائل والأساليب والتقاليد والآليات التي تنهض بالدنيا، وترقى بالعمران، وتطور الحياة إلى التي هي أحسن.

وهذا يدخل تحت الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عائشة وأنس: «أنتم أعلم بأمْر دنياكم» ، والحديث الآخر الذي رواه عن جرير بن عبد الله: «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»

وهذا ما جعل عمر يبتكر أمورا كثيرة سميت «أوليات عمر» وكان يهتدي في أموره بمشورة الصحابة، ولا سيما علي - كرم الله وجهه - الذي قال فيه: لولا علي لهلك عمر.

من ذلك: جعل تاريخ خاص للمسلمين يبدأ بالهجرة النبوية، وتدوين الدواوين، وتمصير الأمصار وغيرها.

ومن ذلك: جمع عثمان الناس على المصحف الإمام، وأمر عليّ أبا الأسود الدؤلي بوضع مبادئ علم النحو، إلى غير ذلك من الأعمال التي ابتدعها الصحابة في أمور الحياة.

ولهذا، عندما تخلف المسلمون عكسوا الوضع، فجمدوا في شئون الدنيا، وابتدعوا في شئون الدين (1) .

(1) (انظر: فقرة(الاتباع في أمور الدين والابتداع في أمور الدنيا) من كتابنا «السنة مصدرًا للمعرفة والحضارة» ... وانظر: فقرة (ألا يعبد الله إلا بما شرع) من كتابنا «العبادة في الإسلام»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت