ومثل ذلك: ما روي عن الإمام أحمد من جواز التفضيل والتسوية في قسمة الفيء، وفوض ذلك للإمام، يفعل ما يؤدي إليه اجتهاده؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي الأنفال، فيفضل قوما على قوم على قدر غنائهم، وهو ما فعله عمر وعثمان حيث فضّلا في العطاء، وأبو بكر وعلي سوّيا (1) . وسنعرض لهذه القضية بعد ذلك بالتفصيل.
والمهم في ذلك كله: أن يختار الإمام ما يختاره من هذه الوجوه وفقًالمال هو أصلح للمسلمين، من تحقيق الخير والمصلحة لهم، ودفع الشر والمفسدة عنهم.
والمقصود تحقيق المصلحة لأكثرية الناس، ودفع المضرة عن أكثرية الناس، فللأكثر حكم الكل، والنادر لا حكم له.
والمعنى الثاني لما يحتمل وجوهًا عدة: ما تعدّدت فيه الآراء والاجتهادات واختلفت فيه المذاهب والأقوال، ولم يوجد فيه نص قاطع يحسم النزاع، ويرفع الخلاف.
ومعظم تراث الفقه الإسلامي من هذا النوع، فالمنطقة «القطعية» محدودة جدا، لأنها تمثل «الثوابت» التي لا يجوز الخلاف عليها، والتنازع حولها. أما المنطقة «الظنية» التي تحتمل تعدّد الآراء، واختلاف الاجتهادات، فهي المنطقة الأوسع دائرة.
حتى «المذاهب الفقهية الإسلامية» التي يمثل كل منها «مدرسة مستقلة» في أصوله وتوجهاته، يوجد داخل كل منها اختلافات شتى، تارة من الإمام نفسه، وطورًا من خلاف أصحابه، وغير ذلك من الاعتبارات.
ففي داخل المذهب الحنفي يوجد خلاف أصحاب أبي حنيفة الكبار مثل أبي يوسف ومحمد وزفر، الذين لا يقلون في إمامتهم عن شيخهم،
(1) انظر «المغني» لابن قدامة جـ 9/ 300 - 302 طبعة هجر.