والسياسة التي نتحدّث عنها هنا، هي «السياسة الشرعيّة» التي ذكرها علماؤنا قديمًا وحديثًا، وألفوا فيها الكتب والرسائل.
ومن الواضح الذي لا يكاد يحتاج إلى شرح: أن «السياسة الشرعية» هي السياسة القائمة على قواعد الشرع وأحكامه وتوجيهاته. فليست كل سياسة شرعية، فكثير من السياسات تعادي الشرع، وكثير من السياسات لا تبالي بالشرع، رضي أم سخط، قبل أو رفض. إنما تمضي في طريقها وفقًا لتصورات أصحابها وأهوائهم.
فمنهم من يحكم فلسفات وأفكارًا معينة «أيديولوجيات» يستند إليها، ويعول عليها، كما يفعل العلمانيون المعاصرون، سواء كانوا يمينيين «ليبراليين» أم يساريين ماركسيين.
ومنهم من يحكم تقاليد ورثها عمن سبقوه من آباء أو زعماء، لا يسأل نفسه: أهي موافقة للشرع أم مخالفة؟
ومنهم من يحكم هواه ومصلحته، وبقاءه على الكرسي، ولا يعبأ بمصلحة الأمة ولا بميولها وطموحاتها، ولا بقيمها ومعتقالتها.
ومثل هذه السياسات لا يمكن أن تعتبر «سياسة شرعية» . إنما السياسة الشرعية هي التي تتخذ من الشرع منطلقًا لها، ترجع عليه وتستمد منه.
كما تتخذ تحقيقه في الأرض، وتمكين تعاليمه ومبادئه بين الناس هدفًا لها وغاية، وكما تتخذه غاية تتخذه منهجا وطريقا، فغايتها شرعية، ومناهجها شرعية.
فهذه هي السياسة المنشودة: شرعية المنطلقات، شرعية الغايات، شرعية المناهج.
ولكنا نريد أن نبين معنى كلمة «سياسة» نفسها، فإن بعض الناس أنكروا هذه اللفظة، حتى جحدوا أن يكون في الإسلام شيء اسمه «السياسة» وشنوا الغارة على من يقولون: الإسلام دين وسياسة. وقالوا في معرض الذم والتجريح: هؤلاء خلطوا بين الدين والسياسة. وقال أحد الرؤساء يوما: لا دين