فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 316

والأمثلة كثيرة في فقه الصحابة، وفقه تلاميذهم من التابعين - رضي الله عنهم -. وسنعود إلى شرح هذه القاعدة والتدليل عليها، في الباب الأخير عند حديثنا عن «فقه المقاصد» في مرتكزات فقه السياسة الشرعية.

وأضيف هنا إلى القاعدة التي ذكرها الإمام البنا: قاعدة أخرى مهمة في التفريق بين العبادات والعادات، وهي: أن الأصل في العبادات - أو أمور الدين المحضة - هو الاتباع، وأن الأصل في العاديات - أو أمور الدنيا - هو الابتداع.

فالأمور التعبدية والدينية الخالصة يجب ألا نزيد فيها ولا ننقص منها، وأن نبقي عليها كما شرعت؛ حتى لا نُحدث في الدين ما ليس منه، ولا نشرع فيه ما لم يأذن به الله.

وقد قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا (أي: ديننا) ما ليس منه فهو رد» (1) (أي أمر دود عليه) .

وقال: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلَالة» رواه أبو داود والترمذي.

ولهذا حافظ الصحابة على جوهر العبادات المحضة، لم يزيدوا فيها، ولم يغيروا معالمها، كما لم ينقصوا منها، ولو ظهر شيء من ذلك من

بعض الجهال، سارع علماؤهم إلى إنكاره، كما رأينا ذلك في مواقف ابن مسعود وابن عمر وغيرهما، وقد ميز الصحابة بوضوح بين المقاصد الدينية والوسائل إليها، فحافظوا على المقاصد، وطوّروا الوسائل.

ولهذا حافظوا على ألفاظ القرآن، ونقلوه إلينا كما سمعوه، وكما كتبوه، بلا زيادة ولا نقصان.

ولكنهم كتبوه مرتبًا في صورة صحف، أو مصحف، منذ عهد أبي بكر، الذي توقف فيه أول الأمر، خشية أن يكون ابتداعًا في الدين؛ إذ لم يفعله

(1) متفق عليه عن عائشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت