فهرس الكتاب
بالنص، فالأصل في أحكام العاديات والمعاملات - أي في شئون الحياة المختلفة - أن ينظر فيها إلى عللها ومقاصدها، فإنها شرعت قطعًا، لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة.
ولهذا يجد على المجتهد - وخصوصًا وليّ الأمر الشرعي - أن يمعن النظر فيما وراء الأوامر والنواهي في شئون المعاملات من مقاصد وعلل، توخاها الشرع، حتى لا تهمل عند التقنين أو الفتوى، أو القضاء، فيفوت على الناس خير كثير، أو يصيبهم ضرر كبير.
ومن تأمل النصوص جيدًا، وضمّ بعضها إلى بعض، ونظر في أغوارها، ولم يقف عند ظواهرها وحرفيتها، وأحسن الفهم عن الله ورسوله، هُدي إلى ما وراءها من أسرار ومقاصد ناطها الشرع بها.
وهذا ما أدركه فقهاء الصحابة - رضوان الله عليهم -، فلم يجمدوا على حرفية النصوص، بل حاولوا أن يغوصوا في أعماقها، ويتعرفوا على الهدف منها، ويحققوه.
وهذا ما جعل عمر - رضي الله عنه - يتوقف في توزيع الأرض المفتوحة على المقاتلين.
وما جعله يغير تقدير الجزية ... وما جعله يوقف حدّ السرقة في عام المجاعة، وما جعله يقبل تغيير اسم الجزية إلى اسم الصدقة في شأن بني تغلب من النصارى.
وهو ما جعل عثمان - رضي الله عنه - يأمر بالتقاط «ضالة الإبل» في عهده، مع أن الرسول أنكر ذلك في عهده، وذلك حينما رأى تغير أخلاق الناس، عندما اختلط المسلمون بغيرهم.
وهو ما جعل عليا - كرم الله وجهه - يضمّن الصناع ما يتلف بأيديهم، مع أن الأصل أن يدهم على الأشياء يد أمانة لا يد ضمان. وإنما فعل ذلك حفظا لأموال الناس، وزجرًا للصناع أن يدّعوا هلاك الأموال بغير بينة.
وهو ما جعل معاذًا يأخذ في الزكاة المنسوجات اليمنية بدل الحبوب؛ لأنه أيسر على أهل اليمن، وأنفع للفقراء والمستحقين من غيرهم.