فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 316

وكلتا الطائفتين أُتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه. فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات. فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان، فَثَمَّ شرع الله ودينه. والله سبحانه أعلم وأحكم، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق: أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط. فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، ليست مخالفة له.

فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعًا لمصطلحكم، وإنما هي عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات.

فقد حبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تُهْمَةٍ، وعاقب في تُهْمَةٍ، لما ظهرت أمارات الريبة على المُتهم. فمن أطلق كل متّهم، وحلفه، وخلى سبيله - مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل - فقوله مخالف للسياسة الشرعية.

وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - الغالّ من الغنيمة سهمه، وحرق متاعه هو وخلفاؤه من بعده، ومنع القاتل من السلب لما أساء شافعه على أمير السرية فعاقب المشفوع له عقوبة للشفيع. وعزم على تحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة.

وأضعف الغرم على سارق ما لا قطع فيه، وشرع فيه جلدات، نكالًا وتأديبًا.

وأضعف الغرم على كاتم الضالة عن صاحبها.

وقال في تاركي الزكاة «إنا آخذوها منه وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا»

وأمر بكسر دنان الخمر، وأمر بكسر القدور التي طبخ فيها اللحم الحرام، ثم نسخ عنهم الكسر، وأمرهم بالغسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت