كما وجدنا الحنفية يقولون عن عقوبة «تغريب الزاني» أي نفيه من بلده لمدة سنة، كما صح في الحديث: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» : قالوا: هذا التغريب ليس من الحدود الثابتة اللازمة في كل حال، بل هو «سياسة» تعزيرية موكولة إلى الإمام أو إلى القاضي، يتصرفه فيه وفق المصلحة، فإذا وجد المصلحة فيه فعله، وإذا وجد المصلحة في غيره تركه.
ووجدنا ثاني الخلفاء الراشدين عمر - رضي الله عنه - يصنع في خلافته أشياء كثيرة، هي من هذا النوع من السياسة، التي تصرف فيها بمقتضى المصلحة، كما سنُبين بعد.
ووجدنا العلامة ابن القيم يذكر أن الحكام في عصره وقبل عصره، استحدثوا «قوانين سياسية» بآرائهم وأهوائهم بمعزل عن الشرع، لما ضيّق عليهم الفقهاء بجمودهم وتقليدهم وتعصبهم، فتركوا الشرع لأهله، وساروا هم في طريقهم، دون أن يستفتوا الشرع ويرجعوا إليه. وهذا من خطر الجمود الذي نبّه عليه وحذر منه العلماء المحققون المخلصون، ومنهم الإمام ابن القيم - رحمه الله -.
من المحاورات المهمة حول السياسة الشرعية بين المضيقين والموسعين:
ما نقله ابن القيم في كتابه «الطرق الحكمية» عن العلامة ابن عقيل الحنبلي في كتابه «الفنون» حيث قال - رحمه الله:
جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية: أنه هو الحزم. ولا يخلو من القول به إمام. فقال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك: «إلا ما وافق الشرع» أي لم يخالف ما نطق به الشرع، فصحيح. وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع، فغلط، وتغليط للصحابة.